الجاحظ
287
المحاسن والأضداد
أخبار الشعراء ومنه مع الشعراء ، قال : ( استأذنت بنت لعبد الملك بن مروان في الحج فأذن لها ، وكتب إلى الحجاج يأمره بالتقدم إلى عمر بن أبي ربيعة أن لا يذكرها في شعره ، فلما بلغ عمر مقدمها ، لم يكن له همة إلّا أن يتهيأ بأجمل ما يقدر عليه من الحلل والثياب . وضربت لها قبة في المسجد الحرام ، فكانت تكون فيها نهارا ، فإذا أمست ، تحولت إلى منزلها لتنظر إليه وتجلس بإزاء القبة ، وقد خبر عمر بشأنها ، فإذا أرادت الطواف ، أمرت جواريها فيسترنها بالمطاريف ، فكانت تتطلع إلى عمر كثيرا ، وكانت تسأل من دخل عليها عنه ، رجاء أن يكون قد قال شيئا ، فلم يفعل ، حتى قضت الحجّ ، ورحلت ، ونزلت من مكة على أميال ، فأقبل راكب من مكة ، فسألته : من أين أقبلت ؟ قال : من مكة ، قالت : عليك وعليّ قرية أنت منها ، لعنة اللّه . قال : ولم يا ابنة عبد الملك ؟ قالت : قدمنا مكة فأقمنا أشهرا ، فما استطاع الفاسق عمر بن أبي ربيعة أن يزوّدنا من شعره أبياتا ، كنا نلهو بها في سفرنا هذا . قال : فلعله قد فعل ، قالت : فاذهب إليه واسأله ، ولك في كل بيت يأتني به منه عشرة دنانير . فأقبل الرجل ، وأتى عمر بن أبي ربيعة ، فأخبره الخبر ، فقال له : قد فعلت ، ولكن أحبّ أن تكتم عليّ . قال : أفعل ، ثم أنشده راع الفؤاد تفرّق الأحباب * يوم الرّحيل فهاج لي أطرابي فظللت مكتئبا أكفكف عبرة * سحّا يفيض كوابل الأسراب لمّا تنادوا للرّحيل وقرّبوا * بزل الجمال لطيّة وذهاب كاد الأسى يقضي عليك صبابة * والوجه منك لبين إلفك كأبي